بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

العقل الباطن هو القرين الباطن

يرى أصحاب فكرة العقل الباطن، أن برمجة العقل يمكن أن تتم وفقا لآليات معينة، منها استحضار صورة الشيء الذي يراد رؤيته، يصاحبها سماع أصوات ومناظر طبيعية، وما إلى ذلك من المطالب حتى تستقر الفكرة في عمق العقل الموهوم. وبقليل من التأمل نكتشف تناقضا في أقوالهم، فهم يعتبرون في كثير منها أن العقل الباطن لا يعلم شيئا عمَّا يدور في الواقع الخارجي، وأن وعيه مقتصر على المرسلات المتكررة التي يتلقاها من العقل الواعي. فيما نجد ( ميرفي) يزعم أن العقل الباطن بإمكانه قراءة أفكار الآخرين دون واسطة، أي بإمكانه استخلاف مكان العقل الواعي، ومعرفة أسرار أي شخص بمجرد النظر إليه، وتقدير ما يجول في خاطر الآخرين!

مثل هذه المزاعم كثيرا ما نجدها في كتابات المبرمجين، حيث يؤكدون على صحتها، ومن أمثلة ذلك قولهم: إذا أردت أن تصبح ثريا، فما عليك إلا أن تردد التعاويذ المطابقة لطلبك، كما لو أنك تقول: يا عقلي أجعلني ثريا، يا عقلي أجعلني ثريا... ويردد الطلب لعدة مرات يوميا ويجعلها أذكارا في الصباح والمساء حتى تستقر الفكرة لدى العقل الباطن، وعلى هذا تقاس كل الطلبات التي ينبغي أن ترسل إلى الداخل ليستجيب لها العقل الباطن.

وما يجب الرد به على أوهام لا تقوم على برهان حقيقي، ولا على أعمال مجربة ومؤكدة تفضي إلى تبيان الحقيقة، هو أننا نعتقد في ما يخص بهذه التي تسمى عوالم باطنية، أظهرت نتائجها أن ما يقوم به أصحاب التطبيقات والتقنيات الحديثة، هو السحر نفسه بألوان مختلفة وأسماء جديدة، ولعل هؤلاء في نظري أخطر من السحرة، لأن الساحر قد يستخدم سحره من أجل جمع المال، وهو في معظم الحالات لا يعلم سر ما تفعله الشياطين الساحرة بالمسحور، بينما هدف هؤلاء يمضي بعقول الناس إلى معاطب الهلاك، ويحول الناس إلى عبدة عقول، يهيمون في بيداء الخيال، وأخطر من ذلك أنه يمس قداسة العقل والفكر والدين والعقيدة ويساعد في تصوف العباد، وإنه الخطر الذي يحل صاحبه من قيود الدين ويسلكه في زمرة المستسلمين، ويسير به في طريق غير مأمون، لا يراعى فيه من قواعد السلوك ما ينسجم مع العرف والمألوف، ويزيغه بين الشكوك والأضاليل. وليس في منهجهم شيئا صحيحا غير التشبث بصحة الكرامات التي يمتلكها العقل الباطن، وما يصورونه هؤلاء من امتلاك الحقائق. وأما الذين يروجون لهذه الأفكار من أبناء أمتنا لا شك أنهم ضحايا الإعلام الزائف الذي يريد أن يخلق أجيالا مستنسخة العقول.

إن ما تمخضت عنه أساليب ونتائج هذه التقنية، هي نفس ما تمخض عنه السحر الأسود التقليدي المستخدم من قبل السحرة في كل بلدان العالم.

فالتقاليد المتبعة لدى السحرة تقضي بأن يخاطب الساحر خادمه الروحاني قائلا على سبيل المثال: أيها الخادم أفعل كذا وكذا... ويردد كتابيا أو شفويا هذه العبارة حتى يستجيب له خادم السحر ، وهو أسلوب متبع في طرق أصحاب العقل الباطن والبرمجة اللغوية العصبية،  والمدرب في البرمجة يعتبر ساحرا من دون شك، كونه يردد كلمات سحرية للتأثير على نفوس الأشخاص الذين يخضعون للتنويم أو للبرمجة، وصاروا في حكم المؤكد أنهم مصابون بسحر الساحر المدرب، ومن خلال هذا السحر تتمكن الروح الشريرة من الاستيلاء على عقل العميل كليا، وبرمجة عقله حسب طلب ورغبة المدرب، ويبقى هذا الشخص مسكونا وعقله مغيبا لا يستطيع الخروج عن الإطار الذي حدد له إيحائيا من قبل المدرب، ويظل الشخص المبرمج يتحكم فيه الجني آليا ويسيطر على عقله وفي سلوكه.

وما يزيدنا يقينا على أن هذا الذي يسمونه عقلا باطنا، هو ذلك الشيطان الباطن الذي أكدته نصوص الدين، بحيث وصفه القرآن بالوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، وبيَّنَ لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن القرين الجني هو من يقوم بجميع الأدوار التي يحسبها هؤلاء من عمل العقل الباطن قائلا: " ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، ولكن الله أعانني عليه فاسلم، فلا يأمرني إلا بخير".[1]

وهو من يزين للإنسان أعماله وأفكاره كما قال تعالى: ((وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم)).[2]  

وقد يتبرأ القرناء من أمثال هؤلاء الضالة يوم القيامة كما قال عز وجل: ((قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد)).[3]

وكلمة لا يأمرني إلا بخير في الحديث دلالتها واضحة تعني أنه لا يتجسد للنبي عليه الصلاة والسلام في صفة من الصفات أو يتشكل له في صورة من الصور، وإنما يحدثه حديث النفس، وهذا هو الذي يعتبره هؤلاء عقلا باطنا.

[1] رواه أحمد.

[2] سورة فصلت 25

[3] سورة ق 27
 عبد الفتاح بن عمار