بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 19 أكتوبر، 2013

كان أبو حامد الغزالي في زمنه مثل علي جمعة اليوم من زعماء الحلول ووحدة الوجود.



يقول المستشرق المسيحي نيكلسون: " إن الإسلام يفقد كل معناه، ويصبح اسما على غير مسمى، لو أن عقيدة التوحيد المعبَّر عنها بـ (( لا إله إلا الله)) أصبح المراد بها: لا موجود على الحقيقة إلا الله. وواضح أن الاعتراف بوحدة الوجود في صورتها المجردة قضاء تام على كل معالم الدين المنزل، ومَحْوٌ لهذه المعالم محواً كاملا ". هذه الحقيقة يقررها مسيحي مستشرق يتهم بها كهنة الصوفية الذين يزعمون أنهم أولياء الله وأئمة هذا الدين، فالمقام الرابع الذي تحدث عنه الغزالي في كتابه الاحياء لا يعدو أن يكون مقام القائلين: (( لا موجود إلا الله))، حيث زعموا أن عروجهم إلى سماء الحقيقة لم يظهر لهم في الوجود إلا الواحد الحق، ومنهم من زعم أنه وصل إلى هذه الحقيقة من طريق الكشف والإلهام والسكر...، حيث انتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفَرْدانية المحضة، ولم يبق عندهم إلا الله، ولذلك لما سكر بعضهم سكرا، وقع دونه سلطان عقولهم، فقال منهم: أنا الحق، أو سبحاني ما أعظم شأني... هذه الادعاءات يسميها الغزالي بحالات العشق ويعتبرها من أسمى مراتب التوحيد، يقول الغزالي: " كلام العشاق يطوى ولا يحكى وحكم في بعض أقواله أنه من اسمى مراتب التوحيد".

رد ابن الجوزي على من يستخدمون كلمة عشق بدلا من كلمة محبة قائلا: وهذا جهل من ثلاثة أوجه: أحدهما: من حيث الاسم فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح، والثاني: أن صفات الله عز وجل منقولة، فهو يحب، ولا يقال يعشقُ، كما يقال: يعلم، ولا يقال: يعرف، والثالث: من أين له أن الله تعالى يحبه، فهذه دعوى بلا دليل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من قال إني في الجنة فهو في النار".

يقول الغزالي: " الكل من نوره، بل هو لا هُوِية لغيره إلا بالمجاز، فإذن لا نور إلا هو، وسائر الأنوار أنوار من الوجه الذي تليه، لا من ذاتها، فَوَجْهُ كلِ مُوَجَّه إليه ومُوَلٍ شطره، فإذن لا إله إلا هو، فإن الإله عبارة عما الوجوه مولية نحوه بالعبادة، والتأليه، أعني وجوه القلوب، فإنها الأنوار والأرواح، بل كما لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، فإن هو: عبارة عما إليه الإشارة، وكيفما كان، فلا إشارة إلا إليه، بل كلما أشرت، فهو بالحقيقة الإشارة إليه ".

لا شك أن الغزالي كان ضالا وضلل الصوفية من بعده بافتراءاته على المسلمين كون كل شيء في الوجود هو عين هوية الله، ولا يمكن أن تقع إشارة في الكون إلا عليه، فإن وجهت وجهك إلى عبادة صنم أو طوطم أو غيره من عناصر الطبيعة... فإن عبادتك تكون واقعة على رب الغزالي، لأن ماهية الصنم هي من عين ماهيته، وتلك هي العبادة الوثنية التي ابتدعها الغزالي للمسلمين وآمن بها الصوفية، بل قد وصى بها في كتبه معتبرا أن (( لا إله إلا الله) توحيد عوام الناس، وأما توحيد الغزالي ومعه الخواص (( لا هو إلا هو)) والإشارة هنا إلى كل شيء من جماد ونبات وحيوان وإنسان، فتوحيد إله الغزالي والخواص الذي تمثل في كل شيء (( لا هو إلا هو))، وهو عندهم توحيد الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة، ومنتهى معراج الخواص مملكة الفردانية... يواصل الغزالي حديثه عن الرب الذي ابتدعه بقوله: " له نزول إلى سماء الدنيا وأن ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس، وتحريك الأعضاء، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: ( صرت سمعه... ) ".

وبما أنه يعتقد أن الله حال حلولا في جميع الموجودات وعينها فهو من يسمع بسمع الإنسان ويبصر ببصره وينطق بلسانه، بل الإسنان عبارة عن أداة يستخدمها الله كما يستخدم أي شيء آخر، وهذا الاعتقاد يكشف عن مدى إيمان الغزالي بوحدة الوجود وحلول الله في جميع عناصر المادة، بعدما قرر أن كل سامع وباصر وناطق هو الله. عبد الفتاح بن عمار