بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 25 سبتمبر 2013

حكم الخروج على الحاكم في الدين الإسلامي

حكم الخروج على الحاكم في الدين
بنيت الثقافة الإسلامية في الدول العربية في مسألة الحكم على فكرة عدم الصدام المباشر مع الحاكم حتى وإن كان مجديا، وهي ثقافة صنعها أئمة السلاطين في الدولتين الأموية والعباسية، ثم أصبحت من الأحكام الدينية يستغلها المستبدون ويستخدمونها في وجه المعارضين لسياستهم وطغيانهم.
ومصطلح الخروج على الحاكم في الشريعة الإسلامية يراد به عدم القبول به وعزله، او الثورة عليه باستخدام القوة أو من خلال الثورة الشعبية. وقد أشترط بعضهم اكتمال مبررات الخروج عليه.

أحدهما: وجود كفر بواح
ثانيها: توفير القدرة على إزالة الحاكم ، وأن لا يترتب على عزله أو الإطاحة به شر أكبر منه.
وقالوا بدون توفير هذين الشرطين لا يجوز الخروج عن الحاكم. والذين أفتوا بعدم شرعية الخروج على الحاكم إلا بعد التأكد من القدرة على الإطاحة به أو عزله، هم الذين أفتوا بمحاربة بشار الأسد، وهم غير متأكدين من عزله ومن حجم الشر الذي ينتج عنه. وهم كذلك من أفتوا بعزل الرئيس الشرعي في مصر، وهو الذي لا ينطبق عليه الشرط الأول: الكفر البواح. وينطبق عليه الشرط الثاني: فتنة وشر وقتل تنتج عن عزله. مما يعني أن فتاوى الخروج على الحاكم سياسية أكثر منها حكم شرعي. ويثير دائما أئمة الجور والسلاطين الذين وجد فيهم المستبدون العصا التي يقمعون بها معارضيهم هذه المسألة. إذ أصبحت ورقة دينية يشهرها الحكام المستبدون في وجه المطالبين بالعدل والمساواة والحقوق للاستمرار في غيهم وطغيانهم.
واستند من احتج في مسألة الخروج عن الحاكم بعدة أحاديث لا تنهى بشكل واضح الخروج على الحاكم الجائر أو الظالم.
أول هذه الأحاديث يقول: أن الرسول صلى الله عليه سلم قال: "  سيليكم أمراء من بعدي يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله ".[1]
ثانيها حديث يقول: " سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدع. قلت: (عبد الله بن مسعود)  فكيف أصنع؟ قال: تسألني يا بن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله ".[2]
ثالثها حديث يقول: " ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم فلا يكونن عريفا، ولا شرطيا، ولا جابيا، ولا خازنا ".[3]
رابعها حديث يقول: " ألا إني أوشك أن أدعى فأجيب. فيليكم عمال من بعدي يقولون ما يعلمون ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهرا ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون ما لا يعلمون ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء ".[4]     
وأما رأي العلماء فجاء كالآتي:
قال ابن كثير في معرض تفسيره لقوله تعالى: " (( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)). ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من الشريعة. كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات. فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل أو كثير ". وعلق محمد حامد الفقي على كلام ابن كثير بقوله: " ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها ".[5]
وقال المالكي القاضي عياض: "  فلو طرأ عليه ( أي الحاكم) كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل ".

وقال ابن تيمية عندما سئل عن قتال التتار مع تمسكهم بالشهادتين، ولما زعموا من أتباع أصل الإسلام: "  كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم.

فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين التي يكفر الجاحد لوجوبها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء ".[6]

وكل الأحاديث المذكورة سابقا تؤكد أن لا طاعة لمن عصى الله، أو نصب العداء للإسلام. وأما قول العلماء السابقين، فقد أجمعوا على أن من خرج على حكم الله، فهو كافر يجب قتاله. وهذا يدل على أنه لا يوجد خلاف بين آراء العلماء من أنه يجوز الخروج عن طاعة النظام المستبد والحاكم الجائر.



[1] رواه الحاكم والطبراني
[2] رواه الطبراني
[3] رواه ابن ماجة
[4] رواه الطبراني
[5] كتاب فتح المجيد
[6] مجموع الفتاوى